عبد الرحمن بن ناصر السعدي

590

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

صدقكما ، وصحة ما جتئما به ، * ( إنا معكم مستمعون ) * أحفظكما وأكلؤكما . * ( فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين ) * أي : أرسلنا إليك ، لتؤمن به وبنا ، وتنقاد لعبادته ، وتذعن لتوحيده . * ( أن أرسل معنا بني إسرائيل ) * فكف عنهم عذابك ، وارفع عنهم يدك ليعبدوا ربهم ، ويقيموا أمر دينهم . فلما جاءا فرعون ، وقالا له ، ما قال الله لهما ، لم يؤمن فرعون ، ولم يلن ، وجعل يعارض موسى بقوله : * ( قال ألم نربك فينا وليدا ) * أي : ألم ننعم عليك ، ونقم بتربيتك ، منذ كنت وليدا في مهدك ، ولم تزل كذلك . * ( ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت ) * وهي قتل موسى للقبطي ، حين استغاثه الذي من شيعته ، على الذي من عدوه * ( فوكزه موسى فقضى عليه ) * الآية . * ( وأنت من الكافرين ) * أي : وأنت ، إذ ذاك طريقك طريقنا ، وسبيلك سبيلنا ، في الكفر ، فأقر على نفسه بالكفر ، من حيث لا يدري . فقال : موسى * ( فعلتها إذا وأنا من الضالين ) * أي : عن غير كفر ، وإنما كان عن ضلال وسفه ، فاستغفرت ربي فغفر لي . * ( ففررت منكم لما خفتكم ) * حين تراجعتم بقتلي ، فهربت إلى مدين ، ومكثت سنين ، ثم جئتكم . * ( فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين ) * . فالحاصل أن اعتراض فرعون على موسى ، اعتراض جاهل أو متجاهل ، فإنه جعل المانع من كونه رسولا ، أن جرى منه القتل ، فبين له موسى ، أن قتله كان على وجه الضلال والخطأ ، الذي لم يقصد نفس القتل ، وأن فضل الله تعالى غير ممنوع منه أحد ، فلم منعتم ما منحني الله ، من الحكم والرسالة ؟ بقي عليك يا فرعون ، إدلاؤك بقولك : * ( ألم نربك فينا وليدا ) * وعند التحقيق ، يتبين أن لا منة لك فيها ، ولهذا قال موسى : * ( وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ) * أي : تدلي علي بهذه المنة لأنك سخرت بني إسرائيل ، وجعلتهم لك بمنزلة العبيد ، وأنا قد أسلمتني من تعبيدك وتسخيرك ، وجعلتها علي نعمة . فعند التصور ، يتبين أن الحقيقة ، أنك ظلمت هذا الشعب الفاضل ، وعذبتهم ، وسخرتهم بأعمالك . وأنا ، قد سلمني الله من أذاك ، مع وصول أذاك لقومي ، فما هذه المنة ، التي تمن بها ، وتدلي بها ؟ * ( قال فرعون وما رب العالمين ) * وهذا إنكار منه لربه ، ظلما وعلوا مع تيقن صحة ما دعاه إليه موسى فقال : * ( رب السماوات والأرض وما بينهما ) * أي : الذي خلق العالم العلوي والسفلي ، ودبره بأنواع التدبير ، ورباه بأنواع التربية . ومن جملة ذلك ، أنتم أيها الخاطبون ، فكيف تنكرون خالق المخلوقات ، وفاطر الأرض والسماوات * ( إن كنتم موقنين ) * . فقال فرعون متجهما ، ومعجبا بقوله : * ( ألا تستمعون ) * ما يقول هذا الرجل . فقال موسى : * ( ربكم ورب آبائكم الأولين ) * تعجبتم أم لا ، استكبرتم ، أم أذعنتم . ) * 27 ) فقال فرعون معاندا للحق ، قادحا ، بمن جاء به : * ( إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ) * حيث قال خلاف ما نحن عليه ، وخالفنا فيما ذهبنا إليه ، فالعقل عنده وأهل العقل ، من زعموا أنهم لم يخلقوا ، أو أن السماوات الأرض ، ما زالتا موجودتين من غير موجد وأنهم ، بأنفسهم ، خلقوا من غير خالق . والعقل عنده ، أن يعبد المخلوق الناقص ، من جميع الوجوه ، والجنون عنده ، أن يثبت الرب الخالق للعالم العلوي والسفلي ، المنعم بالنعم الظاهرة والباطنة ، ويدعى إلى عبادته . وزين لقومه هذا القول ، وكانوا سفهاء الأحلام ، خفيفي العقول * ( فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين ) * . فقال موسى عليه السلام ، مجيبا لإنكار فرعون وتعطيله لرب العالمين : * ( رب المشرق والمغرب وما بينهما ) * من سائر المخلوقات * ( إن كنتم تعقلون ) * ، فقد أديت لكم من البيان والتبيين ، ما يفهمه كل من له أدنى مسكة من عقل ، فما بالكم تتجاهلون فيما أخاطبكم به ؟ وفيه إيماء وتنبيه إلى أن الذي رميتم به موسى من الجنون ، أنه داؤكم فرميتم أزكى الخلق عقلا ، وأكملهم علما ، والحال أنكم ، أنتم المجانين ، حيث ذهبت عقولكم إلى إنكار أظهر الموجودات ، خالق الأرض والسماوات وما بينهما ، فإذا جحدتموه ، فأي شيء تثبتون ؟ وإذا جهلتموه ، فأي شيء تعلمون ؟ وإذا لم تؤمنوا به وبآياته ، فبأي شيء بعد الله وآياته تؤمنون ؟ تالله ، إن المجانين الذين بمنزلة البهائم ، أعقل منكم ، وإن الأنعام السارحة ، أهدى منكم . فلما خنقت فرعون الحجة ، وعجزت قدرته وبيانه عن المعارضة * ( قال ) * متوعدا لموسى بسلطانه * ( لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ) * ، زعم قبحه الله أنه قد طمع في إضلال موسى ، وأن لا يتخذ إلها غيره ، وإلا فقد تقرر أنه ، هو ومن معه ، على بصيرة من أمرهم . فقال له موسى : * ( أو لو جئتك بشيء مبين ) * أي : آية ظاهرة جلية ، على صحة ما جئت به ، من خوارق العادات . * ( قال فأت به إن كنت من الصادقين * فألقى عصاه فإذا هي